المشاركات

لماذا يسلمون؟!

  مما أَعجبُ له وأُعجبُ به، أولئك الذين يسلمون وقد كانوا اعتادوا أنواع الشهوات وصارت جزءاً من حياتهم، حياة العبث واللامسؤولية. ثم هم يتركون كل ذلك إلى دين يُجرِّم تلك الشهوات، ويفرض عليهم قوانين صارمة وفرائض متعددة. إنهم بالمنظور المادي الشهواني يتركون سعة الدنيا إلى ضيق الدين، وجنة اللادينية إلى سجن الإسلام، ولذة العاجل إلى وعد الآجل! إنهم حرفياً يسبحون عكس التيار! أذكر هنا لقاءً مع فلبيني ذي ميول شاذة، كان يشارك كـ drag queen وفاز بعدد من الجوائز والألقاب. ثم تعرف على الإسلام فأسلم، وهجر ماضيه بكل ما فيه. ترك دين الهوى الذي يبيح كل شيء، إلى دين يأمره بمخالفة هواه وضبط شهواته. إنه بمنظور دين الهوى مجنون أو مسحور! والسؤال هنا: لماذا يسلم هؤلاء؟! وكيف يَثبتون؟! إنه الحق يُسمعه الله من عَلم فيهم خيراً، فيَسمعون. وهو نوره يهدي له من يشاء، فيهتدون. ثم هو "الإيمان حين تخالط بَشاشته القلوب"، فيلتزمون ويصبرون. والمؤسف جداً، أن بعض من عافاهم الله ووُلدوا على الإسلام، يقفون حيث انتهى أولئك فلا يتقدمون بل يُقهقِرون، ذاهبين بأقدامهم إلى دروب الشبهات، وملقين بأنفسهم في بحار...

بقايا من حياء

"اخترتُ الرجل المناسب و..." تنحنحتْ بارتباك، خفضت صوتها وبسرعة قالت : "أغويته"، ثم أكملتْ قصة خيانتها لزوجها مع زميلها. وسط ما أراه في عامة الغرب من ذهاب ماء الوجه و التبجح بفعل الفواحش، تلفتني وتعجبني تفاصيل أظنها تَشي ببقايا ضئيلة جداً من حياء تظهر هنا وهناك، ربما دون وعي منهم: أحدهم يَعلم هو وجمهوره أنه في مستنقع لا بد للمقيم فيه من اعتياد الرذائل وممارستها، ومع هذا حين يُسأل أمامهم عن شيءٍ من تفاصيل تلك الممارسات، يحمرُّ وجهه ويتلعثم ويظهر عليه عدم الارتياح. تلك تضع يدها على فتحة قميصها عندما تنحني، وذاك يشد بنطاله القصير إلى أسفل كلما ارتفع. ومضات خاطفة من حياء، كمصباح خافت في غرفة مظلمة أو زهرة متفتحة وسط أكوام القمامة.   وصدق أبو تمام إذ يقول: فلا والله ما في العيش خير --- ولا الدنيا إذا ذهب الحياء يعيش المرء ما استحيا بخير --- ويبقى العود ما بقي اللحاء   [2-11-1443]

نور

  "هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ قَتلُ [فلان]... فإن نجونا شفينا أنفسنا وأدركنا ثأرنا، وإن قُتلنا فما عند الله خير من الدنيا وما فيها." بقراءتك الكلام هكذا مفصولاً عن قصته، تفهم أنه شخص مقدم على تضحية عظيمة الأجر، وربما تظن أن فلاناً الذي يتقرب إلى الله بقتله إما كافر شديد العداوة أو منافق شديد الخبث. حسناً، لنقرأ الكلام كاملاً هذه المرة: "هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ قَتلُ علي بن أبي طالب... فإن نجونا شفينا أنفسنا وأدركنا ثأرنا، وإن قُتلنا فما عند الله خير من الدنيا وما فيها." -القائل: عبدالرحمن بن ملجم. [تاريخ الطبري] لا أجد تعليقاً أفضل من قوله تعالى: {أفمن زُين له سوء عمله فرآه حسناً} ! أن تفعل ما ينزل عليك مقت الله وتحسب أنك تتقرب إليه، أن تسيء وتحسب أنك تحسن صنعاً، أن تَضل ولا تدري أنك ضال. {إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون }... آية مخيفة! ومثلها تخيفني عبارة أقرؤها في معرِض الحديث عن مبتدعة أو جهلة ينفقون في عملٍ خطأٍ أعمارهم وطاقاتهم، وهي قولهم: "يفعل كذا وهو يحسب أنه بهذا يخدم الدين ". يا الله! هل شيء مما أعمله أحسب ...

حرام! نعمة!

  تأمل معي هذه المشاهد من عالم الغرب المتحضر: # كعكة كبيرة تتوسط الطاولة، لا لتؤكل ولكن ليُضرب بها وجه صاحب الحفلة! # رجل طبعه الهزل والسخرية ينتعل قالبَي جبنة ويمشي بهما، ليرى هل يصلح الجبن أن يكون حذاءً أم لا! # رائد فضاء يستعمل الفاصولياء والفطر ليشرح عملياً كيف يقضون حاجتهم في الفضاء، وينتهي الحال بهذا الطعام النظيف بين فضلاتهم في صندوق تُجمع فيه! هذه أمثلة ثلاثة، وفي البال مما أعرفه عن بعضهم أشنع مما ذكرت. والجامع لكل هذا غياب مفهوم النعمة عن العقل الغربي -فيما رأيت-. مفهوم النعمة هذا من أحسن ما تتناقله الأجيال المسلمة: لا تلعب بالطعام، لا تدعس عليه، لا تلقِه أرضاً، إن وجدته ملقىً فارفعه،.... احترام يكاد يشبه التقديس! ولو سألتهم لماذا يجب أن نحترم الطعام؟ لربما لم يستطيعوا أن يزيدوا على قولهم "لأنه نعمة" . نعم، هي نعمة من الله تقوم بها حياتنا، وعلينا شكرها بحفظها وعدم امتهانها، هذا مفهوم تماماً لنا، أما الغرب فلا أظنهم يفهمون ذلك. حتى إنك إن أردت تنبيههم إلى شناعة تلك الأفعال، فعليك ربطها بأمر مادي محسوس، ككونهم يضيعون الطعام بينما الملايين حول العالم يموتون جوعا...

كُفَّ عليك هذا!

أستغرب من استهانة الناس بالسب -جِداً وهزلاً-، فهذا فعل من لا يؤمن بحساب ولا عقاب! أما من آمن أن كتابه {لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها} ، حسَب لما يقوله ألف حساب. وليس هذا بالأمر التافه كما يظن من اعتاد سماعه وقوله، وإلا لما سماه الرسول ﷺ فسوقاً، ولما كان أول ما بدأ بذكره في حديث المفلس، ولما أوصى أحد أصحابه وصية مؤكدة بعدم سب شيءٍ،... {وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم} . ولو أُحصي على المرء حصاد لسانه من الشتائم، وما يتبعها من ذنوب وحقوق للعباد، لربما كانت كافية وحدها لتكُبَّه على وجهه في النار. فـيا هذا "أمسك عليك لسانك"! [4-7-1443]

إيه الوهن ده؟!

صورة
  كنت أقرأ موضوعاً عن تساهل النساء في ستر أقدامهن عن الرجال الأجانب -مع وجوبه-، فأثّرَ فيَّ تعليق يقول: " إن صحابة رسول الله قدموا أنفسهم و أموالهم في سبيل الله، و هذه المرأة لا تستطيع أن تلبس الجوارب من أجل طاعة الله ؟!" مقارنة مُخجلة... لبس الجورب مثال، وعليه فقِس عشرات التكاليف التي نتهاون فيها. وكأن الصحابة هم وحدهم المخاطبون بالمكاره والتكاليف الثقيلة المخالفة للهوى، بينما نحن لنا "دين خفيف قليل التكليف"! ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم: "حُفَّت الجنة بالمكاره، وحُفَّت النار بالشهوات"؟! أليس "المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف من داعية هواه"، كما قرر الشاطبي؟! وإلا فأين الابتلاء في دين يوافق الهوى وطباع النفس والثقافة الغالبة؟! وفيمَ تتفاضل الدرجات؟! أختمُ بما عنونت به المقال، تعليق هزني واستوقفني قرأته في سياق مشابه، ولا يزال حاضراً في ذهني، أخاطب به نفسي متى ما شعرت بالضعف والخور أمام الهوى والباطل: "إيه الوهن ده؟!" [21-6-1443]

وعل جاهل مغرور

  ما تقول في وعل رأى أن له قرنين فما عاد ينظر إلى الجبل بهيبة وعظَمة، بل ظن أنه استعلى بهما فصار نداً للجبل منازلاً له، حتى بلغ به الغرور أن ينطح الجبل عله يزيله من مكانه أو يُنقص من شموخه؟! إن عجبتَ من فعل الوعل، فأعجبُ منه أقزام يبغضون صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وينتقصونهم، أو يرونهم وإياهم سواءً لا فضل لهم عليهم. وغالبهم ما جرَّأهم على هذا إلا جهل أو غرور. فإن كان انتقاصهم رد فعل على مَن غلا فيهم وادعى لهم العصمة، فبئس الفعل ما فعلوا، فما بالتطرف يعالَج التطرف. أو كان موقفاً عَجلاً من أخبار مكذوبة واهية بلا مراجعة ولا تأكد، فهل الجهل إلا هذا؟! فلْيتعلموا معتقدنا في الصحابة ولْيقرؤوا الصحيح من أخبارهم ولْيسألوا "فإنما شفاء العِيِّ السؤالُ". والواحد منهم -لو رأيتَه- عبد لشهواته؛ يعجز عن ترك أيسرها. ثم يقول بملء فيهِ: ما الفرق بيننا وبينهم؟! ولأي شيء ترفعون شأنهم؟! وهم لو تأملوا حالهم وتقصيرهم في أداء حق الله وضعفهم عن مجاهدة الشهوات، وتأملوا أخبار الصحابة وجهادهم وتسليمهم لأمر الله ورسوله، لانعقدت ألسنتهم خجلاً ولمَا صدَر منهم ما صدَر و"رحم ا...

بوو!

صورة
  أتعرف لماذا يضحك الأطفال عندما تلعب معهم لعبة الاختفاء هذه؟ إنهم يعتقدون أن الأشياء تختفي من الوجود لمجرد أنهم ما عادوا يرونها، لهذا يتفاجأون لرؤية أن وجهك ما زال موجوداً فيضحكون. ومع نموهم يدركون أن الأشياء موجودة، رأوها أو لم يروها، فلا تعود اللعبة مضحكة. هل ستَعجب إذا قلتُ إن بعض الكبار ما يزال حبيس هذا الاعتقاد؟ تصادفهم المشكلة فلا يسعون في حلها، بل يتخذون أكسل قرار: سأغمض عينيّ وأتجاهل الأمر، وعندها ستختفي المشكلة لأني لم أعد أراها! ثم يسرحون في أحلامهم وخيالاتهم، حتى إذا ما فتحوا أعينهم -أو أجبروا على فتحها- فوجئوا بالمشكلة ماثلةً أمامهم كما هي، بل قد صارت أضخم، وهي تصرخ: "بوو! أنا هنا!". فربما بادروا إلى التخلص منها باذلين أضعاف ما كانوا سيبذلونه لو واجهوها أول مرة، وربما أغمضوا أعينهم مرة أخرى، وظلوا في أمل كاذب حتى تبتلعهم. كيف تدرك إن كنت تلعب لعبة الاختفاء مع المشكلات؟ لاحظ تصرفاتك أمامها؛ هل تفضل راحة البال العاجلة فتتجاهلَها وتؤجلَ حلها إلى الأبد؟ هل يزعجك الحديث عن كل ما له علاقة بها فتحاولَ الهروب أو تغيير الموضوع؟ هل تعتقد أن الوقت وحده كفيل بحلها ...

تغيير الأسماء: تطبيع وتنفير‎

    أتذكر في طفولتي حملة مقاطعة البضائع الأمريكية إبَّان الانتفاضة الفلسطينية. فكنَّا قبل أن نشتري منتَجاً، نسأل عما إذا كان أمريكياً أم لا بِقولنا في براءة "هذا مسلم ولا كافر؟" واليوم، لو وصفتُ أمريكا بالدولة الكافرة لأنكرتُه من نفسي، ولأَنكَره الآخرون! قد نسمِّيها وغيرَها دولاً عَلمانية أو مسيحية أو لا دينية... أي شيء، المهم أن نبتعد عن وصف الكفر! لاحظ انطباعك عن الأسماء التالية:  زنا - خمر - وشم - رشوة - ربا. ثم...  علاقة جنسية (خارج الزواج) - كحول - تاتوو - عمولة - فائدة. إن من أولى خطوات التطبيع مع المحرمات، تغيير أسمائها من اسم شرعي محمَّل بما يبعث على النفور منها، إلى اسم محايد لا يُجرِّم، أو اسم محمَّل بثقافة غالبة جاذبة. وفي مقابل التطبيع تُتَّبع نفس الآلية للتنفير؛ فيُسمى التعدد خيانةً، والجهاد إرهاباً، والتدين تشدداً! فلا غرابة بعد ذلك إن قبِلنا المنكر، ونفرنا من المعروف. لا تستهن بما للأسماء من تأثير. فلولا ذلك لمَا غير الرسول ﷺ أسماء بِقاعٍ وأشخاص، ولمَا حذر أصحابه بقوله: "لا تغلبنَّكم الأعراب على اسم صلاتكم، فإنما هي العشاء، وإنما يقولون العتم...

في رأسك

 أراد أحد النازلين للتخييم إشعال نار لكنه كان قد نسي ولاعته، فقرر الذهاب إلى خيمة قريبة واستعارة ولاعة. وأثناء مشيه تخيل الحوار الذي سيكون: - لو سمحت أحتاج ولاعة شوي - لا - شوي بس أولع وأرجعها - ليش ما جبت ولاعة؟ تحمَّل .... واستمر في حواره الخيالي هذا، حتى إذا ما وصل إلى الرجل صرخ في وجهه: "الله ياخذك إنت وولاعتك!" ، وعاد من حيث أتى! ●○"كلنا ذاك الرجل"○● يبدأ الأمر بتصرف أزعجك به الطرف الآخر دون أن يدرك، أو معلومة ناقصة منه أو عنه، فتبدأ تدير في عقلك حواراً معه تفرغ فيه أفكارك ومشاعرك. ولو أمكنك سماع صوت الحوار لوجدته عالٍ منفعل، ولو تأملت جسدك لوجدت نفَسَك ونبضك متسارعين، وكأنك فعلاً في حوار ساخن. والأدهى أن مشاعرك تتأثر بكل هذا وكأنه يحصل لك حقيقةً. ثم يأتي ذلك المسكين غافلاً تماماً عن المعركة التي دارت برأسك، بينما أنت مشحون كظيم. فما إن يتكلم إلا وتنفجر في وجهه، أو تشيح عنه مغضباً، وهو حائر لا يدري لتصرفك سبباً. وقد يردُّ على انفعالك بانفعال، وعندها ينتقل الشجار من أرض الخيال إلى أرض الواقع؛ فتتشنج العلاقات وتوغَر الصدور، فماذا استفدنا؟ أعترفُ أن إيقاف تلك الح...