المشاركات

إلى من يعنيه الأمر...

  لو كنتُ مختارةً حديثاً واحداً يعمل به الناس فتصلُحَ حالهم وعلاقاتهم وتصفوَ نفوسهم، لاخترتُ دون تردد قوله ﷺ: {من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه} . حديث كلنا نحفظه لكن من يطبقه؟! لو طبقناه فعلاً، °فلن تسألي من بجانبكِ في انتظار المستشفى عن مشكلتها، لأن ذلك لا يعنيكِ. °ولن تستفسري من جارتكِ عن تأخر حملها، لأن ذلك لا يعنيكِ. °ولن تعلق على زيادة وزن قريبك، لأن ذلك لا يعنيك. °ولن تقترح عليه أنظمة تخسيس، لأن ذلك لا يعنيك. باختصار، لو طبقناه فسنسأل أنفسنا قبل سؤال الناس: هل يعنيني هذا الأمر؟ ولماذا أتكلم؟ ولن نخادع أنفسنا فنبررَ ذلك بالنصيحة والاهتمام والإشفاق، بل سندرك أنَّما هو الفضول والفراغ والثرثرة. إنَّ المتدخل أناني، يُشبع فضوله على حساب مشاعر الآخرين، ويستغل أدبهم ليتمادى في سوء أدبه. كلنا تعرضنا لأسئلة محرجة وتعليقات مؤذية، وتألمنا من ذلك وكرهناه، فلماذا لا نكره لإخواننا ما نكره لأنفسنا فنكونَ مؤمنين؟! ألا فلينشغل كلٌ منا بنفسه؛ يحلُّ مشكلاتها، ويصلحُ عيوبها. ولنستحضر قول معروف الكرخي -رحمه الله-: "كلام العبد فيما لا يعنيه خذلان من الله تعالى" . نعوذ بالله من ذلك. ...

وعاء النتانة

  هل تتخيل وصفاً لدعوى الجاهلية أصدق من قوله صلى الله عليه وسلم: " إنها منتنة "؟ انظر إلى نفس المفتخر بحسَبه الطاعن في نسب غيره -وكلاهما من دعوى الجاهلية-، تجدها وعاءً تراكمت فيه المواد العفنة من كِبر واحتقار وحسد وبغض وغيرها. تمر عليها الأيام فلا تزيدها إلا فساداً وعفونة، وصاحب الوعاء في غفلة عنها. حتى إذا فتح فمه بحمية الجاهلية، انبعثت الريح النتنة من جوفه مؤذيةً كلَ أحد إلا هو وأمثاله. ومصداق ذلك في أي مقطع أو تغريدة من شأنها أن تثير جدلاً عصبياً؛ انزل إلى التعليقات والردود، وستظنك نزلت إلى خزان صرف صحي لِشدِّ ما تجد من النتانة ! والمسلم الحقُّ وإن جهل أن في وعائه شيئاً من العفن المتخلف من تربية أو بيئة أو غفلة، لكنه حيٌّ يتأذى من نتنه في كلامه ولو كان يسيراً، بل ربما ينزعج من أبخرته في صدره. فيتساءل عن مصدر ذلك النتن ويفتش في نفسه حتى يجده، فيتخلص منه ويشرع في إزالة آثاره وتطهير موضعه. ويظل متعاهداً وعاءه بالتخلية والتحلية حتى يصير زكياً عطراً، لا يتكلم بالكلمة إلا فاح طيبها على من حوله وما حوله. "وكل (وعاء) بالذي فيه ينضح". فلينظر أحدنا أي الوعاءين يحمل،...

رحمة ورجاء

  مدخل: قال الله تعالى: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً}. ----- تنظر في أهل الأرض، فإذا جُلُّهم في كفر وضلال وجهل بالله، وإذا أنت مع قلة قليلة هم أهل الإسلام . ثم تنظر في أهل الإسلام، فإذا معظمهم في شرك وخرافة وبدعة، وإذا أنت مع قلة قليلة جداً هم أهل التوحيد والسُنَّة . ثم تنظر في هؤلاء، فإذا أكثرهم غافلون لاهون متخبطون، وإذا أنت مع قلة قليلة جداً جداً هم أهل الالتزام ؛ يحسنون ويسيئون، يطيعون ويعصون، لكن ذكر الله حاضرٌ في قلوبهم، ويوم الحساب يرونه أمامهم، فيسعون مجتهدين ويُنيبون مستغفرين. ترى هذا الاصطفاء فتحمد الله ثم تحمده ثم تحمده، وتسأله الثبات وهداية كل ضال، وتزيد من الإحسان شكراً على عظيم الإنعام. ترى كل ذلك، وتصبِّر نفسك على الغربة مستأنساً بقول من سبقوك: "الزم طريق الحق ولا تستوحش لقلة السالكين، وإياك وطريق الباطل ولا تغتر لكثرة الهالكين". ----- مخرج: قال أيوب السختياني -رحمه الله-: " ﺇﻥ ﺭﺣﻤﺔ ﻗَﺴَﻤﻬﺎ ﻓﻲ ﺩﺍﺭ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻭﺃﺻﺎﺑﻨﻲ ﻣﻨﻬﺎ ﺍﻹﺳﻼﻡ، ﺇﻧﻲ ﻷﺭﺟﻮ ﻣﻦ تسع وتسعين ﺭﺣﻤﺔ ﻣﺎ ﻫﻮ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ". وأقول أنا: ﺇﻥ ﺭﺣﻤﺔ ﻗَﺴَﻤﻬﺎ ﻓﻲ ﺩﺍﺭ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻭﺃﺻﺎﺑﻨﻲ ﻣ...

المستشير الجهول

  تخيل معي هذا الموقف: يأتيك أحدهم يستشيرك بين أمرين، فتشير عليه بما تراه مناسباً. وإذ به يقول: لكني أُفضِّل الخيار الآخر. تشرح له أسبابك، فيعود ليقول: صحيح لكني أعتقد أن الخيار الآخر هو الأفضل. تنظر إليه متحيراً وتقول -سراً أو جهراً- : لماذا تستشيرني إذاً؟! هل يبدو الموقف مألوفاً؟ للأسف هذه حالنا عندما نستخير في أمر تهواه نفوسنا؛ نَكِل بألسنتنا أمر إتمامه أو عدمه إلى الله، لكن قلوبنا تصرخ: يا رب أريده أريده! واحزروا ماذا نفعل إن اختار الله لنا غير ما أردنا؟ نتحسر ونحزن وربما نغضب. لماذا نستخير إذاً؟! إن كنا نريد اختيارنا ولا نرضى باختيار الله فلماذا نستخيره؟! إن حقيقة الاستخارة أن نبذل الجهد في اختيار ما يظهر لنا -بعلمنا المحدود ونظرنا القاصر- أنه الخير، ونمضي فيه. ثم نفوض الأمر تفويضاً تاماً إلى من علم مبتداه ومنتهاه، فييسره أو يصرفه بما هو -يقيناً- خير لنا. فلنحسن الأدب مع ربنا، ولا نكن مثل ذلك المستشير. [15-9-1442]

الجمرة

   تنتقل بينهم كالجمرة...ما إن تقع بين يدي أحدهم حتى يقذفها إلى غيره، دون أن يفكر أي منهم بإلقائها أرضاً وإطفائها. إن تعجب من فعلهم، فهذا حالهم مع الأخبار في المجالس ووسائل التواصل! تراهم كما وصف الله المنافقين {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به}. لا يعرفون قائل الخبر، فضلاً عن أن يعرفوا حاله وصدقه. ومصدرهم في كل ذلك <يقولون>! آهٍ لو رآكم المُحدِّثون! أما وصلكم قوله ﷺ: "كفى بالمرء إثماً أن يحدِّث بكل ما سمع"؟! فاستكثروا مما تنقلون إن شئتم؛ فإنما تطيلون وقوفكم يوم الحساب. وإن شئتم، كنتم كما قال الحسن البصري: "المؤمن وَقَّاف حتى يتبين" ؛ فسلِم دينكم، وهدأت نفوسكم، وانطفأت عندكم الجمرات . [6-10-1442]

قصة وفاء

  "إني رُزقت حبها" هكذا يعلنها رسول الله صلى الله عليه وسلم... حبِّي لخديجة محض رزقٍ من الله. ندرك كيف يكون الرزق مالاً أو ولداً، أما أن يكون حباً فهذا أمر قد يغيب عن أذهاننا. لقد بلغ من وفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لخديجة رضي الله عنها وكثرة ذكره لها، أن غارت منها حبيبة قلبه وأحب الناس إليه، عائشة رضي الله عنها. إذ وجدتها -وهي المتوفاة- ما تزال تمنعها من الاستئثار بقلب محمد صلى الله عليه وسلم خالصاً لها. ولأنها تعرف قدر نفسها عند رسول الله فقد ظنت أنها ستنسيه خديجة وأيامها، لأن الله قد أبدله بها خيراً منها، وصرَّحت بذلك مرةً في فورة غيرتها. وكأني بالرسول النبي والزوج الوفي ينتفض لسماع تلك الكلمات، فينطق بِردٍّ قاطعٍ تلاشت معه كل خيالات الصدِّيقة: "ما أبدلني الله عز وجل خيراً منها". ويمضي الرسول معدداً أفضالها التي بلَّغتها من قلبه هذا المبلغ، في أيامٍ لم تعرفها عائشة ولم تشهدها: "قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله عز وجل ولدها إذ حرمني أولاد النساء". حَفظ لها معروفها، وذكر لها إحسانها....

الترحم على الكفار

  إن فكرة الترحم على كافر بحجة احتمال إسلامه قبل موته هي بسخف فكرة الامتناع عن الترحم على مسلم لاحتمال ردته قبل موته! ثم إن شأن الدنيا كله قائم على الأخذ بالظاهر، لم نؤمر بالتنقيب عما خفي من أحوال الناس، وإنما علينا بما عُرف عنهم واشتهر من حالهم.   وحتى لو علمنا من ظاهر الإنسان الكفر، وعلم الله منه صدق الإسلام فلن يضره أن لا يترحم عليه أحد، ولن يضره أن يلعنه كل أحد. لأنه بين يدي من هو أعلم به منا، وأرحم به منا. فكفاكم شفقة باردة، ورأفة زائفة، ورحمة في غير موضعها.   ويا لله ما أعظم حلمه عليكم! قضى الكافرون أعمارهم في إنكارٍ لله أو إشراكٍ به، ونسبوا إليه أقبح الصفات بلسان مقالهم أو حالهم ثم "ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلاً"؟! [17-6-1442]

طول الأمد

تحلُّ بأمتنا مصيبةٌ؛ فنَضجُّ وننتفض، نتألم ونحزن، ندعو ونبذل. ثم يطول علينا الأمد فنألف هذا الوضع، ونلتهي عنه بحياةٍ يُراد فيها عمداً إلهاء الناس بأصناف الترفيه والتفاهات، وإشغالهم عن الهموم الكبرى بهمومهم الشخصية. وإذ بِقضيَّتنا هذه قد زُويت إلى ركنٍ مهجورٍ من ذاكرتنا مع أخواتها اللاتي سبقنها؛ فما عُدنا نهتم بها بل ولا نتذكرها.     {طال عليهم الأمد فقست قلوبهم} لا يعني كون الإلف والنسيان طبيعةً بشريةً أن نستسلم لها ونهز أكتافنا في عجزٍ، ولا يعني بالمقابل أن نلبس السواد أو نغرق أنفسنا في تتبع أخبارٍ لا تزيدنا إلا كآبةً وإحباطاً. إنَّ المُراوحة بين دعوةٍ باللسان، وبذلٍ بالمال، ونُصرةٍ بحسب الطاقة والإمكان، مع تعريفٍ للأجيال بقضايا أمة الإسلام؛ كفيلٌ بألا يُجدبَ قلوبَنا طولُ الأمد، فتصبح كالحجارة أو أشد قسوةً. والله المستعان. [28-6-1442]

نور البصيرة

صورة
      لم أدرك يوماً أهمية نور البصيرة كما أدركه الآن... أن تجهل ولا تدري أنك تجهل، أن تخطئ وتحسبك على صواب، أن تنكر أمراً يراه كل من حولك واضحاً وضوح الشمس، ثم فجأة... يرتفع حجاب عن قلبك وعقلك فتبصر. يذكرني هذا بلوحة الخداع البصري الشهيرة، يُقسم من حولك أنهما امرأتان: عجوز وشابة، ولا ترى أنت إلا واحدة وتنكر تماماً وجود الأخرى. ثم فجأة... تراها، وربما بدت لك واضحة جداً حتى استغربت كيف لم ترها من البداية؟! وهكذا الشأن في حياتنا. لحظة الإدراك تلك، حين ننتبه إلى خطئنا وقصور نظرنا، لا أجد لها تفسيراً إلا أنها نور يقذفه الله في قلوبنا وعقولنا فتزول به الغشاوة عن بصائرنا... نور بدونه لن نبصر ولو كانت أنوار العالم كلها أمام أعيننا. فاللهم نوّر بصائرنا وهب لنا نوراً. [24-3-1442]  

الظالم المظلوم

  كم سيكون مقدار حسرتك إن ظلمت أحدهم ثم ندمت على ذلك؟ كم سيكون مقدار خوفك من غضب الله وعقابه بسبب جرمك الذي ارتكبت؟ ماذا الآن لو كنت مظلوماً، كم سيكون انكسار قلبك للظلم الواقع عليك؟ كم كنت ستدعو الله أن يرفع عنك ويأخذ بحقك؟ فلتعلم إذن أنك أنت الظالم وأنت المظلوم! ظلمت نفسك التي هي أقرب شيء إليك وأعز شيء لديك، ظلمتها بالمعاصي والغفلة وإشغالها بغير ما خلقت لأجله. فما بالك لا تحس بذلك الظلم؟ أما لك في أبويك قدوة إذ يتضرعان إلى مولاهما: {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكون من الخاسرين}، ومن بعدهما الأنبياء والصالحون كذلك؟ هو جرم عظيم حقاً عند من كان قلبه حياً يقظاً، أما من مات قلبه أو نام فيراه أهون شيء عليه، وهو في الآخرة من الخاسرين. [15-1-1442]